الشيخ حسن المصطفوي
98
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
التقديرات . وعلى هذا يقال : إنّ الأفعال من الله تعالى منسلخة عن الزمان ، وكما أنّ الله تعالى محيط وقيوم وفوق مراتب الوجود ، والموجودات كلَّا تحت احاطته وسلطته وقيوميّته : كذلك أفعاله ، حيث إنّها تجلَّيات صفاته ومظاهر إرادته ومشيّته ، وبالمشيّة تتجلَّى الأفعال ، ثمّ بعد تكوّن الموجودات ونظمها : يلاحظ الزمان وتقديراته . فلا بدّ أن تتقدّر الأيّام والليالي بمناسبة ذلك العالم ( مرتبة الأفعال ) ، ولا يصحّ القول بتقدير الأيّام بمقدار الأيّام المادّيّة ، فانّها في غاية الهوان والضعف من جهات مختلفة . 5 - وأمّا حقيقة الأيّام والليالي : فانّها في عالمنا عبارة عن طلوع الشمس وظهور النور والضياء ، فيعبّر عنه باليوم . وعن غروب الشمس واختفاء النور وظهور الظلمة وسريانها ، فيكون ليلا . وكما أنّ عالم المادّة محدود جدّا وضيّق : كذلك يومه وليلته باختلاف الشموس والأراضى ومقادير حركتها : وهذا بخلاف اليوم والليلة في عالم الروحانيّة ، فانّ اليوم فيه بظهور النور وتوجّه الحقّ وتجلَّى الرحمة من مبدأ الفيض ، والليلة بغيبوبة ذلك النور وانصرافه واقبال الظلمة . وتوضيح ذلك : إنّ للروحانيّات وجهتين ، وجهة متوجهة إلى الله النور الحقّ ومتنوّرة بفيضه ونوره ، فما دامت تلك الوجهة مستمرّة باقية جارية : فقد يتحقّق اليوم وتظهر حقيقته . ووجهة متوجّهة إلى أنفسها غافلة عن الفيض والنور القدسي ، وحينئذ يدبر النور ويقبل الظلام فيكون ليلا . وأمّا فلسفة الليل ، فإنّ الوجهة إلى الأنفس والتوجّه إلى أمور متعلَّقة بالذوات : توجب تدبير أمور الأنفس والتوجّه إلى إدامة جريانها في ذواتها من حيث هي . فظهر أنّ حقيقة اليوم في أىّ عالم كان : عبارة عن ظهور النور ونشره وتجلَّيه وإقباله . ويقابله الليل .